الياس شوفاني
334
الموجز في تاريخ فلسطين السياسي
ولما تبخرت الآمال التي عقدها هيرتسل على وساطة قيصر ألمانيا لدى السلطان العثماني ، وبالتالي استجابة القيصر لتبني المشروع الصهيوني ، اهتز موقع المنظمة الصهيونية ، وتعالت داخلها الأصوات التي تساءلت عن صوابية السياسة التي ينتهجها هيرتسل في التركيز على استصدار البراءة الدولية من القوى الكبرى ، وحتى بشأن صحة الموقف المعارض للهجرة إلى فلسطين قبل الحصول على تصريح من السلطان العثماني . ولإنقاذ مشروعه وتبرير سياسته ، توجه هيرتسل إلى إستنبول لإجراء اتصال مباشر مع الباب العالي ، وعرض خدمات الحركة الصهيونية على السلطنة ، وخصوصا على صعيد سداد ديونها للدول الأوروبية . ولكنه فشل في إقناع السلطان عبد الحميد الثاني ( 1876 - 1909 م ) بالاستجابة لطلبه . وفي إستنبول سعى هيرتسل لاستغلال فساد جهاز الدولة العثمانية ، وبمساعدة أنصار الصهيونية في العاصمة ، عرض الرشاوى على كبار الموظفين ، للالتفاف على موقف السلطان ، الذي كان حازما في هذه المسألة . وبعد فشل مساعيه في إستنبول ، توجه هيرتسل إلى بريطانيا ، إذ كانت الحركة الصهيونية قد عقدت مؤتمرها الرابع ( 1900 م ) في لندن ، بقصد التأثير في الرأي العام البريطاني ، وتعريفه بالصهيونية وأهدافها . والتقى هيرتسل ( 1902 م ) وزير المستعمرات البريطاني ، جوزف تشمبرلين ، الذي أبدى تعاطفا مع المشروع الصهيوني كما طرحه هيرتسل ، مبينا الفوائد التي ستجنيها بريطانيا من توطين اليهود في فلسطين . لكن تشمبرلين اقترح توطينهم في سيناء والعريش ، لقربهما من قناة السويس . وقبل هيرتسل الاقتراح ، لكن الدراسات أثبتت نقص المياه اللازمة للاستيطان محليا ، في حين رفضت الحكومة المصرية جرّ مياه النيل إلى تلك المنطقة . وعاد تشمبرلين ( 1903 م ) وطرح على هيرتسل الاستيطان في أوغندا ( كينيا ) ، وقبل هيرتسل ، لكن المؤتمر الصهيوني السادس ( 1903 م ) انقسم بشأن الموضوع ، وتأجل تنفيذ المشروع . ودافع هيرتسل عن قبوله المشروع على أساس أنه محطة انتقالية ، تقرب اليهود من فلسطين ، وتنقلهم لاحقا إليها . وفي المؤتمر السابع ( 1905 م ) ، بعد موت هيرتسل ، رفض ذلك المشروع جملة وتفصيلا ، وانحصر التركيز على فلسطين كقاعدة للاستيطان الصهيوني . وعلى الرغم من قبوله المبدئي بالعرض البريطاني إقامة المشروع الصهيوني في سيناء أولا ، ومن ثمّ في أوغندا ، لم يهجر هيرتسل فكرة البراءة الدولية على فلسطين . ومن أجل ذلك ، سافر إلى روسيا ، وقابل هناك وزير الداخلية ، بليفيه ، المسؤول عن حملات مطاردة اليهود في حكومة القيصر . وتمّ التفاهم على صفقة بين الطرفين بسرعة : وساطة روسية لدى الباب العالي لتسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين ، في مقابل